نجيب الدين السمرقندي

77

شرح الأسباب والعلامات ( شرح نفيس الكرماني )

المستديرة حول الدماغ وتدافع « 1 » الروح النفساني وتمنعه عن السلوك الطبيعي فيكرّ الروح راجعا ويتحرك حركة دورية كالرياح إذا منعت بسبب جبال أو جدار وغيّر ذلك عن سلوكها على خط مستقيم في طبيعتها أو رياح غليظة أو كثيرة تجتمع متكاثفة في بطون الدماغ أو في عروقه لا يمكنهما أي تلك الأخلاط والرياح التحلل أما الرياح الغليظة فلصفاقة الأمّين وأما الكثيرة وإن كانت لطيفة فلأنه لا يتحلل في الأمّين ما يتحلّل منها إلّا في زمان طويل غاية الطول لصفاقتهما . وأما الأخلاط فلأنها وإن كانت رقيقة في نفسها ، لكنها لا محالة تكون أغلظ من الرياح وإذا لم تجد تلك الأخلاط والرياح سبيلا إلى التحلل ، تتراجع في بطون الدماغ وعروقه فيتحرك حركة غير طبيعية « 2 » ويقابلها الروح بحركة طبيعية مضادة لتلك الحركة الخلطية أو الريحية فيتدافعان وتقع بينهما أي بين الحركتين المتضادتين المتمانعتين حركة دورية إما في الروح وحده إذا كانت المتدافعة بينه وبين الخلط الرقيق فإن الروح للطافته يرتفع حينئذ مستديرا كأنه يلتوى على نفسه أو في الروح والريح معا إذا كانت المدافعة بينهما فيلتويان على نفسيهما مرتفعين كما ترى في الزوبعة « 3 » هذا هو الحق الصريح . وما قيل في سببه من أن الأخلاط والرياح إذا تحرّكت في الدماغ ولم تجد مخرجا تحرك الروح النفساني معها ويتبعها في الدوران ، فليس بشئ ؛ إذ من شأن الطبيعة أن تدفع الأمور الغريبة وتقهرها بقدر الاستطاعة لا أن تميل إليها وتتابعها على أنه لا يلزم من اتباعها لها في الحركة الدورية وبسبب دوران الروح يتخيل صاحبه أنّ الأشياء تدور عليه ؛ لأنه سواء أن يختلف بنسبة الأجزاء المحسوسة إلى الحاسّ في الدوران من جهة المحسوس أو من جهة الحاسّ ؛ إذ الاحساس بالدوران إنما يكون بسبب تبدّل المحاذيات وتغيّر النسب التي بين الروح الباصرة وبين المرئى ولا فرق بين أن يكون التبدّل بسبب حركة المرئى عن محاذاة الباصرة أو حركة

--> ( 1 ) . : واعلم أن العلماء اختلفوا في ما يصلح مدافعا بحركة الغير الطبيعية للروح في حركة في جوهر الطبيعة : قال بعض هو البخار وحده . وقال « العلّامة » هي الرياح والصفراء . وقال الجمهور ما قاله المصنف يعنى الرياح أو الأخلاط الرقيقة . ( 2 ) . : أي : تتحرك حركة مخالفة للحركة الطبيعية للروح النفساني . والحركة الطبيعية للروح النفساني هي التي تقع عنه عند سريانه من الدماغ إلى سائر الأعضاء . ( 3 ) . : [ تسمّى بالفارسية « گردباد » وهي رياح تصير حين هبوبها كأنها تلتوى على نفسه ] .